أمام المرآة
![]() |
| أمام المراة |
...مررتُ أمام المرآة ذات صباح
لم أتوقف بدافع الفضول
ولم أرفع رأسي لأتفقد ملامحي كما يفعل الكثيرون
...توقفت لأنني أردت أن أرى شيئًا واحدًا فقط
هل ما زال ذلك الرجل الذي بنته المعارك واقفًا هناك؟
نظرت طويلًا
رأيت سنوات من الصبر
وأيامًا من الخذلان
...ولحظاتٍ كان يمكن أن تنكسر فيها الروح
لكنها لم تنكسر
رأيت رجلاً لم تمنحه الحياة شيئًا بسهولة
فانتزع مكانه بعرق جبينه
وبنى هيبته حجرًا فوق حجر
حتى أصبح حضوره يتحدث قبل كلماته
ابتسمت
...ليس غرورًا
فالغرور أن تدّعي ما ليس فيك
أما أن تعرف قيمتك
وأن تدرك حجم ما تجاوزته
...وأن تؤمن بما أصبحت عليه
فهذه ثقة لا تحتاج إلى إذن من أحد
اقتربت أكثر من المرآة
عدّلت وقفتي بهدوء
رفعت كتفيّ
وثبّت نظرتي
ثم تأملت ذلك الانعكاس كما يتأمل القائد رايته بعد معركة طويلة
:وقلت لنفسي
...يا رجل
هناك من يبحث عن الاحترام بالكلمات
وهناك من يطارده بالمظاهر
وهناك من يصرخ ليُسمَع
...أما أنت
فقد تعلمت أن الهيبة الحقيقية لا تُطلب
إنها تُفرض بالصمت
وتُبنى بالمواقف
وتُصنع حين تلتزم بمبادئك حتى عندما يكون الثمن باهظًا
:تذكرت عندها حقيقةً لطالما عرفتها
بعض الناس إذا رأوا رجلاً يعرف قدر نفسه
قالوا إنه متكبر
وإذا رأوه واثقًا
قالوا إنه مغرور
وإذا رأوه ثابتًا
قالوا إنه متعجرف
لأن الأشخاص الذين اعتادوا رؤية المنحنين
تزعجهم القامة المستقيمة
ابتسمت مرة أخرى
ثم غادرت المكان
...لا لأثبت شيئًا لأحد
ولا لأنتظر تصفيقًا من أحد
مضيت كما أفعل دائمًا
أصنع أثري بصمت
وأترك الأيام تتحدث عني
...فالرجل الحقيقي لا يقضي عمره يشرح من يكون
بل يجعل أفعاله تخبر العالم كله بذلك
لا تحاول أن تقنع الجميع بقيمتك... فالجبل لا يشرح ارتفاعه لأحد، يكفي أن يقف شامخًا ليراه الجميع
