بعض من المشاعر التائه
![]() |
| بعض من المشاعر التائه |
...بناء
ضحكتكِ لا تمرّ كعابرٍ نسمة
بل تُربك المكان كلّه كأنها زلزالٌ لطيف يعيد ترتيب الوجود
قلبُ المدينة رأسًا على عقب دون أن تلمسي شيئًا، فقط حين تبتسمين يتغيّر كل شيء؛ الأرصفة
الوجوه
وحتى صبرُ العالم يصبح أقل صلابة
... أنتِ اضحكي
ودعيني أنا أَرمّم ما ينهار في داخلي، وأعيد بناء مدينةٍ لا تهدمها ضحكة
بل تُنقذها
مدينة لا تتشكل من حجارة
وإنما من نبضٍ يحاول أن يثبت أنه ما زال حيًّا أمام هذا الجمال الذي لا يُقاوم
...شوق
ما زلتُ أفتقدك بالطريقة نفسها التي يفتقد بها الليل نجمة اعتاد وجودها؛ لا لأن السماء أصبحت فارغة، بل لأن مكانها لا يملؤه شيءٌ آخر. أفتقدك في التفاصيل التي لا يراها أحد، في الطرقات التي مررنا بها، وفي الكلمات التي كنتُ أؤجلها ظنًّا أن الوقت واسع بما يكفي. أفتقدك حين يهدأ ضجيج العالم، فأجد صوت غيابك أعلى من كل شيء. لقد تعلّمتُ أن الإنسان لا ينسى من أحبّ، ولكن يتعلّم كيف يحمل فقده بصمت. يبتسم أمام الناس، ويواصل أيامه كأن شيئًا لم يحدث، بينما في داخله مدينةٌ كاملة ما زالت تنتظر عودةً تعلم أنها لن تأتي
وإن سألوني عنك، فلن أقول إنك رحلت، سأقول: هناك أشخاص لا يغادرون حقًّا، يتركون شيئًا منهم في القلب، ثم يمضون، فيبقى أثرهم حيًا مهما تعاقبت الفصول
أما أنا، فما زلتُ كلما مرّ طيفك بخاطري، دعوت الله أن تكون بخير، وأن يرزقك من الطمأنينة ما كنتُ أتمنى أن أكون سببًا فيه. وما زلتُ أؤمن أن بعض الغياب لا يقتله الزمن، لأن الأماكن التي بُنيت بالمحبة لا تهدمها المسافات ولا تمحوها السنين
أتدرين ما أقسى ما في الأمر؟
أن ما يزعجكِ مني كثيرًا ليس كما تظنين أبدًا، فذلك الصمت الذي ترينه جفاءً لم يكن يومًا نقصًا في المحبة، كان فائضًا من الوجع، كنتُ أخوض معارك لا صوت لها، وأحمل أثقالًا لا ثُرى، وأحاول أن أبدو بخير بينما كانت روحي تتداعى في الداخل، لم أتغير عليكِ،
وكيف يتغير القلب عن وطنه؟
وكيف ينسى من كانت ملامحه ملجأه كلما ضاقت به الدنيا؟ كنتُ كلما ازدحمت الحياة في صدري، وكلما خانتني الكلمات، أتجه إلى صورتكِ؛ إلى عينيكِ اللتين طالما وجدتهما أكثر طمأنينةً من ألف حديث، وإلى ملامحكِ التي كانت ثُرمم شيئًا منكسرًا داخلي دون أن تدري.
والله لم أصمت لأنكِ لا تستحقين الكلام، بل لأنكِ أعظم من أن أُحمَلكِ ما أعجز عن حمله أنا، كنتُ أخشى أن تري ضعفي، فأخفيته، وأخشى أن أقلقكِ، فآثرتُ السكوت، حتى صار صمتي التهمة التي أَدان بها أمامكِ
فإن رأيتني ساكتًا يومًا، فلا تظني أنني ابتعدت، لأن بعض القلوب حين تُرهقها الحياة لا تجد ملاذًا إلا الصمت، لكنها لا تتوقف عن الحب أبدًا. كنتُ أهرب من ضجيج العالم كله إليكِ، حتى وإن لم أخبركِ بذلك، كنتُ أبحث في ملامحكِ عن سلامٍ لا أجده في أي مكانٍ آخر. وإن سألتِ عمّا كان يختبئ خلف كل ذلك الصمت، فاعلمي أنه كان حبًا كبيرًا... أكبر من الكلام، وأصدق من أن تُنصفه الكلمات
ولو نطق قلبي الآن، لقال لكِ
كنتِ النجاة في الوقت الذي كنتُ أغرق فيه دون أن يشعر بي أحد.
وإن قصّرتُ في التعبير، فالله يعلم أنني ما قصدتُ يومًا أن أكون سببًا في حزنكِ، وأن ما بيني وبينكِ أكبر من صمتٍ عابر، وأصدق من ظنونٍ أنهكها الانتظار
