العهد...

 ...العهد

العهد...
 ...العهد


في بعض العلاقات، لا يكون الفراق قرارًا نتخذه بكامل إرادتنا، ولا يكون اللقاء مجرد صدفة عابرة. هناك روابط تتشكل في أعماق الروح، تتجاوز حدود الزمان والمكان، وتبقى حاضرة مهما ابتعدت الطرق أو تبدلت الظروف. وكأن القدر ينسج بين شخصين خيطًا خفيًا لا تراه العيون، لكنه يظل قادرًا دائمًا على إعادة كل منهما إلى الآخر، مهما طال الغياب أو اشتدت المسافات 


لقد كُتب في قصتنا أن الفراق لم يكن يومًا نهاية حقيقية، بل كان استراحة مؤقتة تفرضها الحياة أحيانًا. كُتب أن نبتعد لنفهم، وأن نصمت لننصت إلى ما تخبرنا به قلوبنا، وأن نضيع قليلًا كي ندرك قيمة الطريق الذي جمعنا منذ البداية. ففي اللحظة التي تعارفنا فيها لأول مرة، لم نكن نعلم أن رحلتنا ستكون مليئة بكل هذا القدر من التقلبات، ولم نكن نتوقع أن تحمل لنا الأيام اختبارات كثيرة، بعضها كان مؤلمًا، وبعضها كان كفيلًا بأن يعيد تشكيلنا من الداخل 


لقد تعثرنا كثيرًا، وربما اختلفنا أكثر مما ينبغي. مررنا بلحظات ظننا فيها أن كل شيء قد انتهى، وأن ما بُني بيننا لم يعد قادرًا على الصمود. أخلفنا وعودًا اعتقدنا يومًا أنها ستبقى إلى الأبد، وقلنا كلمات لم نقصد أن تؤذي، لكن وقعها كان أثقل مما تخيلنا. ومع ذلك، وفي كل مرة، كنا نجد أنفسنا نعود. لم تكن العودة ضعفًا، ولم تكن خوفًا من الوحدة، بل كانت إيمانًا عميقًا بأن ما يجمعنا أكبر من خلاف عابر، وأقوى من لحظة غضب، وأصدق من أن تنهيه المسافات أو تمحوه الأيام 


كان كل سقوط بيننا يحمل درسًا خفيًا، وكل انكسار يترك في أرواحنا أثرًا يدفعنا نحو النضج. تعلمنا أن العلاقات الحقيقية لا تُقاس بعدد الأيام الجميلة فقط، بل بقدرتها على الصمود بعد العواصف. أدركنا أن المحبة لا تعني الكمال، بل تعني أن نجد في الآخر سببًا للبقاء حتى بعد أن نرى عيوبه، وأن نختار الاستمرار رغم التعب، لأننا نؤمن أن بعض الروابط تستحق المحاولة مرة بعد أخرى 


ومع مرور الوقت، أصبحت عودتنا تشبه ولادة جديدة. كنا نعود بأرواح أكثر هدوءًا، وقلوب أكثر فهمًا، ونظرة أعمق إلى معنى الوجود معًا. تعلمنا أن الرحيل لا يلغي المحبة، وأن المسافات لا تستطيع دائمًا أن تضع حدًا لما تشعر به القلوب الصادقة. فهناك أشخاص يتركون في أرواحنا أثرًا لا يمكن استبداله، مهما ازدحم العالم بالوجوه الجديدة 


لقد كُتب أيضًا أن نبتعد أحيانًا، لكن دون أن نفقد الطريق إلى بعضنا. وأن تشتد الرياح من حولنا، لكن دون أن تقتلع ما زرعته الأيام في أعماقنا. وكُتب أن نحارب من أجل هذا الرابط، لا لأننا عاجزون عن الرحيل، بل لأننا نعرف أن بعض الأشخاص لا يُعوَّضون، وأن بعض العلاقات لا تتكرر مرتين في العمر 


ولهذا، كلما ظن الناس أن الحكاية انتهت، كانت تبدأ من جديد. وكلما ظن الزمان أنه نجح في التفريق بيننا، أثبتت الأيام أن ما كُتب للقلوب لا تمحوه المسافات، وأن بعض القصص خُلقت لتبقى، مهما تبدلت الفصول وتعاقبت الأعوام. فالعهد الحقيقي ليس وعدًا يُقال بالكلمات، بل شعورٌ يسكن القلب، ويظل وفيًا حتى في أصعب اللحظات 


El3geed

متطلع , متفائل , أحب الحياة, أهوى الشعر والقراءة , أحب التهكم وأجمع المتناقضات وأحترف الIT ,

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال